حلمت يوماً أن الشاطئ قد أهدى رماله هدية زفافٍ لموجتين اعتذرا أن تكون نهايتهما الرمل، قويةٌ تلك العلاقة بين الرمل ومياه البحر، فالأولى تشبه مزيج من الموسيقى والطين الصلصال ولعل لهذا حكمة، والثانية .. ترسل أمواجاً تتسابق كالأطفال ليروا من التي ستفرش كيانها على أكبر مساحة من الرمل .. وثمة أشياء أخرى راودتني في الحلم لا أذكر سوى زهور القرنفل التي كانت تلمس رقبتي بين الحين والحين ..
لم تكن المرة الأخيرة التي رأيت فيها البحر، ولكنها لم تكن منذ زمنٍ بعيد، عندما جلست مبتلاً .. عاري الصدر غير مكترث لتلك الطبقة الرملية التي احتلت ثلث ظهري، أنظر لتلك اللوحة الصغيرة، التي أراها دائماً تائهة على سطح المياه المالحة، أشعر بعذوبة تلك النقوش المترامية على سطحها
عندما وقفت حزيناً أفتقدك، أنتظر نهاية العالم بين كل شهيق وزفير، وجاءت الأمواج تحاول مواساتي .. تربت على قدمي الثابتتين على منطقة رملية لم تعرف الجفاف يوما
طعمه كان لاذع ذاك الافتقاد، مصحوب بفكرة أنني قد لا أراكِ مرة ثانية، وأنك قد تكونِ لرجل غيري .. يا للألم !
الآن لم أعد أذكر أين وضعت ملامح تلك الأيام في ذاكرتي .. ربما مازال طعم الافتقاد موجود، لكنكِ تؤمنين بمجيئي، إنني قادمٌ لا محالة، وبين يديّ عطور السماء، أجذبك بين ذراعي فور أن تتلاقى أعيننا، أرتفع معكِ إلى عالم آخر ونترك جسدينا للبشر، وسأستمتع كثيرا بأنني الرجل المختار، التي تركت له دفة القيادة واستلقيتِ في الشمس، واثقة أنه سيمر من تلك العاصفة، ويعود ليستلق بجوارك، يداعب خصلات شعرك، يستحم برائحتك ويترك بصماتها على معصمه، سيقـُبلك قبلتك المفضلة، سيبتسم حين تبتسمين، وتبتسمين حين يبتسم
سأنتشي حين تحركين إصبعكِ بين كفي، كعصفور يطير في سماءٍ ملونة باستمتاع، وحين تنظرين إليّ تلك النظرة التي أعشقها، عندما تفتحين بوابات وجدانك الماسية وتمدِ لي يدك تدعوني للدخول .. ونصمت
امتدت أصابعه لتحكم إغلاق الزر قبل الأخير من قميصه الأسود، وكل ذرة في عقله تعلم أنه لن يخرج من باب شقته بهذا القميص، بل أنه هو نفسه يعلم تماماً أنه سيقوم بتغيير البنطلون الأسود الجينز أيضاً !
يرتدي حذاءه البني الفاخر ويراقب نفسه، وهو يتبع الأسلوب الأكثر تعقيداً في عقد الرباط، إلا أن مهارته وخفة يده تشفعان له عدم قدرته على ممارسة الربطة الكلاسيكية البسيطة !
يستند بكف يده الأيسر على ظهر الكرسي الأسواني وينظر لنفسه في المرآة، يحاول التعرف على نسخة اليوم، يتأكد أولاً من التفاصيل المشتركة بين كل الممثلين الذين ظهروا على تلك المرآة الطويلة والتي يرى فيها وقفته كاملة، دائما ما يرى نفس الجسم والملامح، إلا أن هناك تغييراً جذرياً بين كل لمحة والأخرى، حتى أنه تذكر ما حدث ليلة البارحة .. عندما ارتدى فانلته الرياضية وبنطلونه الأزرق الجينز .. ووقف أمام المرآة يحدق .. نظر في محفظته وعاد مرة أخرى للمرآة .. فوجد شخصاً جديداً .. فامتعض
رغم أنه سئم الأمر .. إلا أن فضوله يجبره على التركيز والتدقيق .. عله يوماً يرى شخصاً يشبهه في المرآة .. مرتين، إلا أن إيمانه بوجود طابور طويل داخل الحائط من أشخاص تشبهه على يسار المرآة .. خلق احتمالية أن أحدهم قد يفكر في الغش ويقف في الطابور مرة ثانية .. لمجرد الظهور في المرآة !
بعد أن ارتدى قميصه القطني الأبيض .. وبنطلون رمادي اللون .. وقف في الشرفة يفكر .. أين يذهب الواقفون في الطابور .. بعد المرآة ؟
تمر أشهر كثيرة
وقبل أن يُصاب بالجنون المنطقي لهذه المرآة، وقف عارياً وحدث نفسه قائلاً .. " هذه هي المرة الأخيرة التي سأنظر فيها لتلك المرآة "
ويبدو أنه لم يلاحظ أساسا هذا الاحتفال المُكلف، الذي حضره ألاف المدعوين ومئات الثقلاء، رمَى كل هذا خلف ظهره واتجه للقصر، ولم يستطع صخب الموسيقى أن يغطي على وقع أقدامه الواثقة
فور أن دلف من باب القاعة العالي، استند بكتفه الأيمن على واحدة من تلك الأحجار الكريمة الزرقاء التي خلقت للباب شخصيةً مهيبة، ناظراًإلى إحدى البلاطات الزجاجية التي انتشرت على الأرضية في شكل بديع، وكانت لحظة .. قبل أن يرفع عينيه لعينيها مباشرة .. فقد تعود هذا الفارس على أن يترك لقلبه الفرصة كي يجدها أولاً
ابتسم ..
تحرك نحوها بهدوء، كان قد أخذها بالفعل في عالمٍ آخر بنظرته تلك، لم تذهب عينيه بعيداً عن عيناها حتى صارت المسافة بينهما عدة سنتيمترات، اتسعت ابتسامته قبل أن يمسك يدها اليمنى بلطف ويضع فيها الباقة ..
هامساً :
مولاتي !
أسرعت إحدى الجواري بالوقوف إلى جوار أميرتها لتحمل عنها الباقة، وقبل أن تحمل الباقة وترحل .. كان قد أخذ وردة حمراء من الباقة دون أن يحوّل نظره عن الأميرة، واقترب بهدوء .. ووضع الوردة في شعرها الطويل
هامساً :
هذه لكِ !
كعادتها .. ابتسمت الأميرة في خجل .. وكعادته .. دق قلب الفارس ..
لم تكن الأميرة لتعلم كيف هو حال قلب الفارس .. حين يدق، إلا أن هذا القلب لم يفكر يوماً في الرجوع عنها، وامتلئ بإيمان رهيب .. أنها له
أعلم أنكِ الأنثى الوحيدة في الدنيا، التي تستطيع قراءة عروقي، دعي أناملك تستلقي في دلال بين كفاي، ولا تكفي عن قراءتي ... كثيرة تلك الكلمات المنقوشة على روحي ... ولن تكلفك سوى بالاً أطول ..
أحبكِ
رغم ثقتي في عشقك للقراءة، أصدرت أوامري للكلمات أن تتأن في مرورها أمام عينيكِ، ليس إلا لإضافة بعض من الحبيبات الرومانسية التي تشبه جفونك لحد بعيد .. تأملي اسمك المكتوب بلون وردي على أسقف شراييني .. نعم لم يتمكن الزمن من خط يديكِ
هذا أنا
دعي ما يجول بخاطرك كما هو، فأنا أعشق خطوة أفكارك، أتابعُ قلقها الهادئ بين نظراتك، في الوقت الذي تشتد تلك المنافسة الموسيقية بين عينيكِ التي تغرق في بحرٍ من صدق .. ونظراتك التي تجيد ارتداء فساتين السهرة الرائعة
لماذا توقفتِ عن الرقص ؟
إن كانت الموسيقى قد ابتعدت عن طعمِ تلك الرقصة، اجذبِ ذراعي وأنصتِ .. لهذا الكيان الواقفُ أمامَكِ، فبداخله تراصت النغمات في احتفالٍ من أجلكِ أنتِ،حملتها الفرحةُ على بساطٍ فيروزي طائر .. وذهبت بعيدا وهي تحملك على وجنتيها
قلقٌ .. نعم
الهوى لم يُولد بلا قلقٍ يا مولاتي .. غدا ستعلمين طعمه اللاذع .. كحبة البرتقال التي سأحملك يوماً كي تقطفيها من شجرة ليست عالية .. ولكنني سأحملك ...
مَن غيرِي تعاطفَ يوماً مع أمواجِ البحرِ في الشتاء ؟
أحَسَ بذلِك الصقيعِ الذي يُمسِكُها مِن مَلحِها
المتناثر دَاخِلها بعشوَائية ؟
"
قالها الشاطر علي بصوت مسموع وهو يقف أمام الدار شارد الذهن، هيئته توحي بأن هناك شيء شديد الأهمية يدور في خلده، فهو خلال العشر دقائق الفائتة كان قد طقطق أصابعه فوق الألف مرة، لوّح له حوالي ثماني أصدقاء ولم يعرهم اهتماما .. أو هكذا بدا للناظرين
الشاطر علي .. كان قد سافر في وقفته هذه على حصانه ومر على ذكرياته، في البداية لم يقف عند كل واحدة كثيرا، فقد كان يبحث عن شيء محدد، شيء كبير وتسهل رؤيته، لكنه لم يجد مراده بين كل تلك الذكريات المتلاطمة
الشاطر علي .. لم يبحث يوما عن شيء واستسلم، فهو على يقين غريب بأنه سيجد ما يبحث عنه، طالما يبحث وحده .. وفي وقفته هذه .. بحث كثيرا وكثيرا، ونبش بين أعوامه الماضية ولم يجد ما يبحث عنه .. تملك التعب من الحصان القوي فصهل صهيلا ضعيفا، مُـكللا باعتذارٍ للشاطر علي أن يستكمل البحث وحده .. فالحصان لا يقوى على العودة في الزمن أكثر من ذلك
الشاطر علي استمر في بحثه، حتى رأى الذكريات وما وراء الذكريات، التقط خيوط العنكبوت التي رُسمت خلف خشب الأفكار، براحتي يده .. حمل التراب المتراكم على أرفف الماضي .. وسمح لتلك المسامير الصدئة أن تجرح أنامله تلك الجروح المزعجة في سبيل الوصول لما يبحث عنه خلف القواميس والمعاجم التي التحمت في أعمدة المكتبة العجوز .. دون جدوى
الشاطر علي ... عاد من رحلته ليثبت في وقفته مرة أخرى، كتمثال نحاسي وحيد، فقدَ حصاناً .. لكنه لم يكن يقوى على الركض في الزمن على أية حال، وفقدَ في الرحلة قميصا أبيض اللون، لم يحاول أن يتذكر متى فقده بالتحديد، هل جذبه أحد ما ؟ .. أم أنها السنين وألاعيبها المستمرة في تعرية صدره .. وقف الشاطر علي ثابتا وقد ركز بصره على حجر جلس القرفصاء بجوار شجرة صغيرة .. ولما طالت النظرة بين الحجر والشاطر علي .. نطق الحجر بصوت ضعيف :
نعم .. مثلي تماما أيها الشاطر علي .. لم تعرف الدفء يوما كي تتذكره
الشاطر علي .. لتوه كان قد أحس الدفء لأول مرة في حياته، وحاول في رحلته هذه أن يتذكر متى شعر بالدفء ولم ينجح في ذلك، فقط لأنه لم يشعر دفءً من قبل
فالشاطر علي .. ظل يرتجف كل لحظة من عمره .. لأنه كان يشعر بالبرد، وفي هذا البيت .. علم الشاطر علي أن لا علاقة للدفء بالصوف .. فالدفء في البشر